منذ انهيار سلطة آل الأسد في سوريا، وانبثاق سلطة جديدة بقيادة أحمد الشرع، يواجه السوريون إشكالية معرفية لم تُحل بعد. هذه الإشكالية تتعلق بمفهوم النقد السياسي، وعلاقته بالوطنية، ومساحة الحرية المتاحة لتقييم أداء السلطة. المفارقة المؤلمة أن جزءاً كبيراً من المجتمع السوري يعيد إنتاج ذات الآليات المعرفية التي فرضها نظام الأسد طوال نصف قرن: مماهاة السلطة بالوطن، واعتبار نقد الأولى معادلاً لخيانة الثاني.

لقد استثمر نظام الأسد ستة عقود في تحويل مفهوم “الوطن” من فضاء مدني وسياسي مُشترك، إلى مُلكية خاصة للحاكم. وهكذا صار آل الأسد “أسياد الوطن”، تحولت سوريا البلد إلى “سوريا الأسد”، وصار أي نقد لسياساته وسلوكه تجاوزاً للحدود المسموح بها للسوريين. ما نشهده اليوم هو أن جزءاً من المجتمع السوري، وإن كان معارضاً للأسد، لا يزال يعيش داخل إطاره المعرفي: اعتبار النقد السياسي مُحرّماً أو مُستهجناً أو مُجرّماً.

والحقيقة أن السلطة السياسية، أي سلطة سياسية، ليست الوطن ولا تُختزل فيه. السلطة جهاز مؤقت وعابر، يمارس مهامه في إطار ما يمنحه إياه الدستور والقانون من صلاحيات، وهي خادمة للشعب وليست سيّدة عليه. هذه فكرة بسيطة لكنها مفقودة في الوعي السياسي السوري، الذي لا يزال يعاني من تشوهات جذرية سببها عقود من الإكراه والترويض تحت سلطة الأسد.

بل إن تصوير النقد السياسي كفعل تخريبي أو هدّام هو أيضاً جزء من الميراث السياسي الأسدي. فالواقع أن النقد، طالما كان سلمياً وخالياً من التحريض على العنف أو الكراهية، هو فعل بنّاء ومُصلِح بامتياز. النقد هو آلية المجتمع للإشارة إلى الأخطاء وتصحيح المسار وضبط إيقاع السلطة. النقد هو الصوت المضاد الذي يمنع تحوّل السلطة إلى استبداد. النقد هو صمام الأمان الذي يحمي المجتمع من تغوّل السلطة، أياً كان من يمسك بهذه السلطة.

يمكننا القول إن التاريخ الحديث يُثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن المجتمعات التي احترمت حق النقد وحمت حرية التعبير وفسحت المجال للأصوات المعارضة، هي التي نجت من الانهيارات الكبرى وتفادت الصراعات الداخلية المدمرة. والعكس صحيح تماماً: المجتمعات التي قمعت النقد وكمّمت الأفواه وفرضت “الإجماع” القسري، هي التي عانت من انفجارات داخلية دموية.

من المفارقات المؤلمة أيضاً أن بعض الدفاعات المقدّمة عن السلطة الجديدة تعزز، دون قصد منها ربما، منطق التفرّد بالسلطة وعدم الثقة بالآخر. فتبرير عدم تشكيل حكومة تمثيلية حقيقية بأن السلطة الجديدة “لا تثق بغير مجموعتها” هو تبرير يعزز ذات المنطق الأسدي: الريبة من المجتمع، والخوف من انفتاح دائرة السلطة، وتحويل الحذر من استراتيجية مؤقتة إلى مبدأ دائم للحكم.

إن المجتمع السوري اليوم، بعد كل ما عاناه من قمع واستبداد، لا يحتاج إلى “تلميع” صورة السلطة الجديدة وتغليف أخطائها، يحتاج إلى إعادة تأسيس العلاقة بين المواطن والسلطة على أساس من الندية والمساءلة. يحتاج إلى تفكيك منظومة الطاعة العمياء والولاء المطلق، وإعادة بناء ثقافة سياسية قائمة على النقد والمساءلة والمحاسبة.

فالثقة وحتى إن لم تطلبها السلطة الجديدة بشكل صريح، هي علاقة متبادلة تُبنى تدريجياً. فإذا كانت السلطة الجديدة لا تثق بالمجتمع، فكيف ستطلب منه أن يثق بها على العمياء؟ إذا كانت تخشى الآخر، فكيف تلومه على مخاوفه منها؟ الثقة تُبنى عبر خطوات عملية، أهمها التشاركية الحقيقية في إدارة مؤسسات الدولة، وانفتاح المجال العام، والتعددية السياسية.

ليس من قبيل المبالغة القول إن سوريا تقف اليوم على مفترق طرق تاريخي. فإما أن تُؤسس لعلاقة جديدة بين المجتمع والسلطة، قوامها المواطنة والمشاركة والمساءلة، وإما أن تعيد إنتاج ذات النموذج الأسدي، ولو بوجوه جديدة وشعارات مختلفة. وقد كان من بين أهم أسباب انهيار النموذج الأسدي، رغم كل ما امتلكه من قوة وموارد وتحالفات، هو انغلاقه التام على ذاته، ورفضه القاطع لفكرة الإصلاح الذاتي، واعتباره النقد خيانة أو عمالة.

على المجتمع السوري اليوم أن يحذر من تكرار المسار ذاته، وأن يتمسك بحقه في ممارسة النقد، وأن يفهم أن الخوف على الوطن يوجب النقد لا السكوت، ويقتضي المساءلة لا التهليل. إن تفريق السلطة عن الوطن، وإزالة القداسة عن الأولى، هو شرط أساسي لبناء مستقبل مختلف، يقوم على دولة المواطنة لا دولة السيد والرعية.